القرطبي
17
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
قوله تعالى : ( قال له موسى هل اتبعك على أن تعلمني مما علمت رشدا ) [ فيه مسألتان ] : الأولى - قوله تعالى : " قال له موسى هل أتبعك " هذا سؤال الملاطف ، والمخاطب المستنزل ( 1 ) المبالغ في حسن الأدب ، المعنى : هل يتفق لك ويخف عليك ؟ وهذا كما في الحديث : هل تستطيع أن تريني كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ ؟ وعلى بعض التأويلات يجئ كذلك قوله تعالى : " هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء " [ المائدة : 112 ] حسب ما تقدم بيانه في " المائدة " ( 2 ) . الثانية - في هذه الآية دليل على أن المتعلم تبع للعالم وإن تفاوتت المراتب ، ولا يظن أن في تعلم موسى من الخضر ما يدل على أن الخضر كان أفضل منه ، فقد يشذ عن الفاضل ما يعلمه المفضول ، والفضل لمن فضله الله ، فالخضر إن كان وليا فموسى أفضل منه ، لأنه نبي والنبي أفضل من الولي ، وإن كان نبيا فموسى فضله بالرسالة . والله أعلم . و " رشدا " مفعول ثان ب " - تعلمني " . ( قال ) الخضر : ( إنك لن تستطيع معي صبرا ) أي إنك يا موسى لا تطيق أن تصبر على ما تراه من علمي ، لان الظواهر التي هي علمك لا تعطيه ، وكيف تصبر على ما تراه خطأ ولم تخبر بوجه الحكمة فيه ، ولا طريق الصواب . وهي معنى قوله : ( وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا ) والأنبياء لا يقرون على منكر ، لا يجوز لهم التقرير . أي لا يسعك السكوت جريا على عادتك وحكمك . وانتصب " خبرا " على التمييز المنقول عن الفاعل . وقيل : على المصدر الملاقى في المعنى ، لان قوله : " لم تحط " . معناه لم تخبره ، فكأنه قال : لم تخبره خبرا ، وإليه أشار مجاهد . والخبير بالأمور هو العالم بخفاياها وبما يختبر منها . قوله تعالى : ( قال ستجدني إن شاء الله صابرا ) أي سأصبر بمشيئة الله . ( ولا أعصى لك أمرا ) أي قد ألزمت نفسي طاعتك وقد اختلف في الاستثناء ، هل هو يشمل قوله : " ولا أعصي لك أمرا " أم لا ؟ فقيل : يشمله كقوله : " والذاكرين الله كثيرا والذاكرات " ( 3 ) [ الأحزاب : 35 ] . وقيل : استثنى في الصبر فصبر ، وما استثنى في قوله : " ولا أعصي لك أمرا " فاعترض
--> ( 1 ) في ك : المشترك . ( 2 ) راجع ج 6 ص 365 . ( 3 ) راجع ج 14 ص 185 .